السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
408
مفاتيح الأصول
هذا تناقض ظاهر فلا بد من حملها على إرادة الإخبار بما سوى العدالة فإن قيل هذا وارد على تزكية العدلين إذ لا علم معه قلنا الذي يلزم من قبول تزكية العدلين هو تخصيص الآية بدليل من خارج ولا محذور في مثله بخلاف تزكية الواحد فإنها على هذا التقدير تؤخذ من نفس الآية فكذلك يأتي المحذور ومع هذا فالتخصيص لا بد منه إذ لا يكفي الواحد في تزكية الشاهد كما مر التنبيه عليه وما أوضح دلالة هذا التخصيص على ما أشرنا إليه في الجواب عن الوجه الأول من أن النظر في أصل الحكم بقبول الواحد في تزكية الراوي إنما هو إلى القياس ممن يعمل به ويشهد بذلك أيضا أن مصنّفي كتب الأصول المعروفة لم يذكروا غير الوجه الأوّل من الحجة في استدلالهم لهذا الحكم وضميمة الوجهين الآخرين من استخراج بعض المعاصرين وفي الثاني بعد الإشارة إلى ذلك أيضا وعن الثاني أن مبنى اشتراط العدالة في الراوي على أن المراد من الفاسق في الآية من له هذه الصفة في الواقع فيتوقف قبول الخبر على العلم بانتفائها وهو موقوف على العدالة كما بيّناه آنفا وإنما صرنا إلى قبول الشاهدين لقيامهما مقام العلم شرعا وفرض العموم في الآية على وجه يتناول الإخبار بالعدالة يؤدّي إلى حصول التناقض في مدلولها وذلك لأن الاكتفاء في معرفة العدالة بخبر الواحد يقتضي عدم توقف قبول الخبر على العلم بانتفاء صفة الفسق ضرورة أن خبر العدل بمجرّده لا يوجب العلم وقد قلنا إنّ مقتضاها توقف القبول على العلم بالانتفاء وهذا تناقض ظاهر فلا بد من حملها على إرادة الإخبار بما سوى العدالة لا يقال ما ذكرتموه وارد على قبول شهادة العدلين إذ لا علم معه لأنا نقول اللازم من قبول العدلين تخصيص الآية بدليل خارجي ولا محذور في مثل ذلك كيف وتخصيصها لازم وإن وافقنا على تناولها للإخبار بالعدالة من حيث إن تزكية الشاهد لا يكتفي فيها الواحد وهذا من أكبر الشواهد على أن النظر في الوجه الأول إنما هو القياس كما نبّهنا عليه انتهى وفيه نظر لأن الفاسق وإن كان بحسب اللَّغة موضوعا لمن اتصف بصفة الفسق في الواقع سواء علم به أم لا إلا أن إطلاقه ينصرف إلى من علم فسقه كما أن إطلاق الغسل ينصرف إلى الغسل بالماء وإن كان بحسب اللَّغة موضوعا للأعم الشامل لذلك وحينئذ لا يتجه ما أورده كما لا يخفى سلمنا عدم الانصراف وبقاء الإطلاق على حاله لعدم المقتضي للانصراف على ذلك ولكن غاية ما يلزم على هذا التقدير التوقف في خبر من لم يثبت شرعا فسقه ولا عدالته وهو المعبّر عنه في كتب القوم بمجهول الحال باعتبار احتمال فسقه في الواقع ومن الظاهر أن لزوم التوقف هنا ليس مما يدلّ عليه لفظ الآية الشريفة بشيء من الدّلالات الثلاث حتى يقع التعارض بين إطلاق منطوق الآية الشريفة ومفهومها ويرجح إطلاق المنطوق باعتضاده بالتعليل المذكور فيها بل التوقف هنا مما يحكم به العقل على وجه التعليق لا على وجه التخيير يعني يحكم العقل بأنه ما لم يرد دليل على اعتبار خبر مجهول الحال يجب التوقف في خبره كما يحكم بوجوب التوقف في أصل قبول الخبر حتى يرد دليل على قبوله ومن الظاهر أن مثل ذلك لا يصلح لمعارضة إطلاق مفهوم الآية الشريفة الدّال على اعتبار خبر العدل الواحد مطلقا ولو تعلَّق بالتزكية وإلا لما جاز التعلَّق بذلك لإثبات أصل حجية خبر الواحد فإذن يبقى إطلاق هذا المفهوم سليما عن ظهور المعارض ومن المسلمات أن كل دليل أو ظاهر شرعي إذا خلا عن ظهور المعارض وجب العمل به لا يقال يشترط في العمل بالدليل فقد المعارض له في الواقع وهو هنا مشكوك فيه كما لا يخفى والشك في الشرط يستلزم الشك في المشروط لأنا نقول لا نسلم أن الشرط ذلك بل الشرط هو عدم ظهور المعارض وإلا لزم سقوط العمل بمعظم الأدلة الشرعية وهو باطل قطعا ومن الظاهر تحقق هذا الشرط هنا سلمنا وقوع التعارض بين إطلاقي المنطوق والمفهوم هنا إلا أن إطلاق الثاني أولى بالترجيح وإن اعتضد إطلاق الأول بالتعليل والعمومات المانعة عن العمل بغير العلم لاعتضاد ذلك بالشهرة العظيمة وغيرها مما تقدم إليه الإشارة وسيأتي وفيه نظر والإنصاف أن الآية الشريفة لا تنهض بإثبات المدعى لما بيّناه في المفاتيح والوسائل ورابعها ما ذكره في المنتقى فقال حجة الجمهور وجوه إلى أن قال الثالث أن العلم بالعدالة متعذّر غالبا فلا يناط التكليف به بل بالظن وهو يحصل من تزكية الواحد انتهى وفي مجمع الفائدة الظاهر أن التعديل يحصل بإخبار العدل الواحد بل قد يحصل من الكتب كما في توثيق الرجال الآن وكذا يحصل الجرح بما ذكر وإلا لأشكل الحكم بتوثيق الرّواة وتفسيقهم في زماننا هذا انتهى وفيه نظر لأنه مبني على أصالة حجية الظن حتى في الموضوعات الصّرفة كما يستفاد من المحكي عن الحلبي وهي ممنوعة بل الأصل فيها عدم الحجيّة نعم الأصل حجية الظن في نفس الأحكام الشرعية كما عليه جماعة ولكن هذا غير نافع في محلّ البحث لأنه ليس منها بل هو من جملة الموضوعات الصرفة كما لا يخفى لا يقال إذا زكى العدل الواحد رجلا أوجب ذلك الظن بصدق المزكى وهو مستلزم للظن بنفس الحكم الشرعي فيكون معتبرا لأنا نقول حجية هذا الظن في نفس الحكم الشرعي لا يقتضي حجيته في نفس التعديل فتأمل ولا يقال الأصل وإن اقتضى عدم حجية الظن في جميع الموضوعات الصّرفة ولكن يجب الحكم بأصالة حجيّته في الموضوعات الَّتي السّند فيها طريق العلم غالبا كما في القبلة لما دل على أصالة حجية الظن في نفس الأحكام الشرعية ومن الظاهر أن محل البحث من هذا القبيل لأنا نقول هذا باطل فإن غاية ما يترتب على انسداد باب العلم غالبا على تقدير تسليمه مخالفة أصل وهي ممكنة هنا بأحد وجهين أحدهما الحكم بثبوت العدالة بتعديل عدل واحد وثانيهما الحكم بحجية خبر مجهول الحال الذي زكَّاه عدل واحد وحيث لا ترجيح لأحدهما على الآخر لزم التوقف ومعه يسقط الوجه المذكور عن درجة الاعتبار اللَّهم إلا أن يرجح الوجه الأول بالشهرة العظيمة ولكن فيه نظر فتأمل وبالجملة الاعتماد على هذا الوجه في إثبات المدعى في غاية الإشكال وقد صرّح بفساده وضعفه في المنتقى فقال مجيبا عنه الجواب عن الثالث